جاري تحميل ... شمس اليوم نيوز24/24

أخر الأخبار

أخر الأخبار

مقالات الرأي

لماذا 25 جويلية ثمّ ماذا بعده؟

 شمس اليوم نيوز:




                                    

عشر سنوات وتونس تحت حكم الإخوان حتى وإن حاولوا التخفّي أحيانا وراء توافقات مغشوشة، ألم يقل الغنوشي "نحن نغادر الحكومة ولكن لا نغادر الحكم". في هذه العشرية ماذا أنجزت منظومة النهضة الإخوانية؟ وبما أنّ منجزها الإيجابي منعدم فمن الأحرى أن يكون سؤالنا في صيغة من هم ضحايا النهضة؟

أوّل ما استهدفته منظومة الإخوان هي عقيدة التوانسة، وهذه العقيدة لخّصها عبدالواحد ابن عاشر الفاسي (توفّي سنة  1631م.) في الآتي " عقد الأشعري وفقه مالك وفي طريقة الجنيد السالك".  ويتّخذ أبناء تونس والمنطقة المغاربية وما وراءها من البلدان الافريقية من هذه العقيدة عنوانا لهويّتهم الدينية وخصوصيتهم المذهبية، وكانت صمّام أمان للتوانسة جنّبتهم مآسي الصّراعات المذهبية التي مزّقت الشرق الاسلامي وعطّلت نموّه، ولم تنجح كلّ محاولات فرض عقيدة مغايرة على التوانسة سواء مع عبيد الله الفاطمي أو مع صاحب الحمار وغيرهما. ورغم ذلك سعى الوهابيون إلى تمرير عقيدتهم في تونس منذ عهد حمودة باشا الحسيني في بداية القرن التاسع عشر ولكنّهم فشلوا، ثمّ أعادوا الكرّة مع الحركة الإخوانية في أربعينات القرن الماضي عندما حلّ القيادي الإخواني المصري توفيق الشاوي بتونس سنة 1948، وطلب من بعض قادة الحزب الدستوري الجديد آنذاك، الباهي لدغم ومنجي سليم، مساعدته في نشر الدّعوة الإخوانية بتونس لكنّهما رفضا مخافة "أنّ يتسبّب عمله في حصول انشقاق بالحزب"، حسب قولهما المنقول في مذكّرات الشّاوي (انظر "د. توفيق محمّد الشاوي، مذكّرات نصف قرن من العمل الاسلامي 1945-1995، دار الشروق، القاهرة، 1998، "زيارة تونس تحت الحماية" ص.ص 109-113").

ولكن بعد أكثر من 60 سنة تمكّن إخوان تونس من الوصول إلى الحكم بمساعدة عوامل داخلية وخاصّة خارجية وشرعوا في فرض عقيدتهم الوهابية عن طريق المساجد وكلّ مؤسّسات الدّولة والمدارس العمومية والخاصّة والإعلام والجمعيات الخيرية، وتمكّنوا من إلحاق ضرر بالغ بعقيدة التّوانسة، خاصّة في أوساط الشّباب والمراهقين، ولكنّ رسوخ العقيدة الأشعرية وطريقة الجنيّد في الوجدان كانت أقوى من إغراءات الإخوان وإرهابهم فكان رفض التّوانسة التخلّي عن عقيدتهم ورفضهم القطعي قبول عقيدة الإخوان الوهابية الغريبة عنهم.

أمّا هدف الإخوان الثاني، بالتوازي مع محاولات فرض عقيدتهم، فكان إحداث انقلاب طبقي في التّركيبة الاجتماعية التونسية الثّابتة منذ سبعينات القرن الماضي عندما عملت الدّولة الوطنية على خلق طبقة متوسّطة وتدعيمها لتكون ركيزة التّوازن الاجتماعي. وكانت تلك الطبقة بمختلف شرائحها محرّك الاقتصاد الوطني وعماد الإدارة التونسية. ورغم كلّ ما يمكن أن يعاب على الأداء ورغم كلّ الهنات فإنّ تونس حقّقت نسبة نمو محترمة على امتداد نصف قرن، وكان المأمول بعد سنة 2011 تعديل التوازنات الاجتماعية طبقيا وجهويا وإزالة العراقيل المكبّلة للاقتصاد وفي مقدّمتها آفة الرّخص مصدر الفساد الأساسي في الإدارة التونسية، لكنّ كان للإخوان رأي آخر حيث دمّروا الطبقة المتوسّطة، من الشّريحة الدّنيا إلى العليا، مقابل تعزيز موقع طبقة الكمبرادور (ونسمّيهم في تونس "الكناطرية") والتي أصبحت في ظرف وجيز "الفاتقة النّاطقة" تتحكّم في كلّ شيء، ملحقة بالغ الضّرر بالاقتصاد الوطني حيث أصبحت تونس لا تنتج حتى "أوراق الملسوقة" وتستورد كلّ شيء بما في ذلك "نفايات ايطاليا"، وطال ضرر الكناطرية الإعلام وفقد كلّ مصداقيته وعاد التوانسة إلى متابعة أحوال بلدهم عبر وسائل الإعلام الأجنبية. كما كانت الثّقافة أيضا من ضحايا "دولة الكناطرية"، حيث تمّ تجويع الفنّانين وتحوّل بعضهم إلى باعة خضر في الأسواق واحتمى أغلبهم بالعائلة لضمان توفير حاجياتهم الأساسية من سكن وأكل ودواء.

وتبقى السّيادة الوطنية والمسألة الديمقراطية من أهمّ ضحايا المنظومة الإخوانية، إذ بعد تدمير الطبقة المتوسّطة وإلحاق الضّرر البالغ بعقيدة التوانسة الدينية، فتح الإخوان الأبواب على مصراعيها للأجانب، رجال أعمال وجواسيس، للإجهاز النهائي على الاقتصاد الوطني وتحويل تونس إلى ذيل لمحور أجنبي والانخراط في أجنداته الإقليمية بإلقاء الشباب التونسي في محرقة حروب ذلك المحور الإقليمية، والتخلّي عن التقاليد الدبلوماسية المتوازنة والحيادية للدّولة الوطنية. ولولا تلك التقاليد وما خلّفته من رصيد إيجابي لاقتصر نصيبنا من التلاقيح على خمسين ألف جرعة من تركيا ولوجدنا أنفسنا وحيدين في مواجهة "ذئب الوباء" لينهشنا.

كانت فكرة الديمقراطية وما تحمله من قيم نبيلة وما تتضمّنه من آليات راقية لإدارة الخلاف وللتّداول السلمي على الحكم، ضحيّة المنظومة الإخوانية حيث أضحت "فكرة الديمقراطية" في وعينا الجمعي، بعد عشر سنوات من حكم الإخوان، مرتبطة بالفساد والإرهاب والفقر والفوضى وضعف الدّولة، وبات من الصّعب على النّخب المثقّفة والمسيّسة ردّ الاعتبار إلى تلك الفكرة وإقناع الجمهور بنبل مقاصدها.

الخلاصة، لحق الضّرر كلّ الأشياء في بلدنا: المجتمع والاقتصاد والدولة والثقافة والدين والذّوق العام والأخلاق والبيئة... أيّ كلّ البنية التحتية وكلّ مكوّنات البنية الفوقية، لذا علينا غلق قوس تلك المنظومة الإخوانية نهائيّا بدستورها وتشريعاتها وبرلمانها والشّروع فورا في إصلاح الدّمار الشامل الذي خلّفته، مثلما فعل الألمان واليابانيون بعد تدمير بلديهما في الحرب العالمية الثانية ثم نجحوا بفضل قوّة الإرادة في اللّحاق بالدّول المتقدّمة في فترة وجيزة لم تتجاوز العشرين عاما. 

ولكن من أين نبدأ؟

أثناء كلّ "غزواتهم"، التي استهدفت العقيدة والمجتمع والاقتصاد، استعمل الإخوان مؤسّسات الدّولة وأجهزتها وإمكانياتها، من إدارة وأمن وقضاء وبرلمان، لذا فإنّ مفتاح الانقاذ يكون باستعادة الدّولة وتخليصها من الغرباء والأفّاقين والكناطرية، حتّى يتسنّى لتونس حماية سيادتها الوطنية واستقلالية قرارها الوطني وحتى تنجح في التصدّي لكلّ العملاء والجواسيس المحتمين ببعض النصوص القانونية الملتبسة وبجمعيات مريبة مثل جمعية علماء القرضاوي، وحتى تتمكّن الدّولة الوطنية من مراجعة كلّ الاتّفاقيات المنتهكة لحقوق تونس ولسيادتها. 

إنّها معركة الاستقلال الجديدة وفي كسبها إنقاذا لكلّ أحلامنا في التنمية الشّاملة والعادلة وفي الحرّيات العامة الحقيقية والحرّيات الخاصّة وحقوق الانسان وكرامته. 

كتب الشاعر الراحل محمد الصغير أولاد أحمد في خاتمة رسالة مفتوحة إلى كلّ الملوك  والرؤساء  في صيف 2013 ما يلي:

 "  "....السادة ملوك ورؤساء العالم: الان وقد قرأتم،على لسان الشعب التونسي الثائر والمسالم، ما سبق، يطيبُ لنا،في هذه الظروف العصيبة التي تمرّ بها بلادنا، تونس، أن نسألكم عمّا اذا كانت لكم، ولدولكم، مصلحة حقيقية في أن تسيل دماء التونسيين باسم الميتافيزيقا في أحطّ مستوياتها المعرفية ؟ وعمّا اذا كانت قوانينكم تسمح بأن يسطو الحكام على حقوق تأليف الكتب السماوية.. وينسبوها الي أنفسهم.. لكي يتصرّفوا،مع شعوبهم، كآلهة لا يطالُها أيّ حساب ؟

في انتظار ردودكم..نأسف لعدم دعوتكم لحضور حفل اعلان تونس دولة مدنية ديمقراطية حال تمكننا من ارجاع الاخوان المسلمين الى منافيكم.. التي لا فرق بينها وبين أوكار العمالة والجوسسة."


الدكتورعبد الجليل بوقرة 

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

إتصل بنا

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *