جاري تحميل ... شمس اليوم نيوز24/24

أخر الأخبار

تابعونا عبر تويتر

أخر الأخبار

مقالات الرأي

الناشط السياسي عزالدين البوغانمي :لا تقدّم بقيادة نخب ساقطة

شمس اليوم نيوز: 



هرج ومرج وضوضاء ومزايدات تدّعي "الوطنية" حيثما التفتنا. سفسطة وسفسطائيون لا يمكن دحضهم في بلادي. دوران في الفراغ لا جدوى منه ولا ينفع الناس. والحال أنّ القضية واضحة، ولا تتطلّب مُعجَمًا سياسيًا لكي تُفهَم. 

 فكرة الديمقراطية بمعناها الحديث وُلِدت وتطوّرت وتوسّعت حول قيمة جوهريّة ألا وهي: إزالة النّظام الشّمولي المتسلّط القائم على استخدام العنف وسلب الحرية لإخضاع النّاس لسلطة مطلقة، وبناء نظام آخر عقلاني قائم على الاعتراف والشراكة والتعاون وإدارة النزاعات بطرق سلمية. 

منذ انهيار الامبراطورية الرّومانية آواسط القرن السابع عشر، وبداية سقوط حكم الكنيسة، وولادة الدولة الحديثة في ويستفاليا، وُلدت معها فكرة الديمقراطية، وظلّت هذه الفكرة العظيمة تُصارع وتتجذّر وتتعثّر وتنتكس، فتسقط، ومن جديد تنهض وتشقّ طريقًا مُعقّدة ودامية، حتى اقتحمت تونس والبلاد العربية بعد ثلاثة قرون ونصف تقريبا. وفي ترحالها الكوني والتاريخي، شهدت الديمقراطية موجات وسياقات عديدة وقف خلفها التّوق للحرية على الدوام، ولكن في أغلب الأحيان سُرِقت وشُوِّهت مقاصدها الطبقية والشعبية، وهُزمت في مضمونها، لتنتصر بلبوس أخرى، تارة كاذبة وأخرى فاشية ...  وبكلّ الأحوال نجد الآثار الأولى للانتقال الديمقراطي في الثورة الفرنسية، وجميع الحروب اللاحقة التي ارتبطت بها. مرورًا بالموجة الثانية التي جاءت بعد الحرب العالمية الثانية، وقد شملت ألمانيا الغربية، ايطاليا، النمسا، اليابان. وتليها الموجة الثالثة التي بدأت بالانقلاب العسكري السلمي في البرتغال عام 1974. وسقوط حكم الجنرالات في اليونان. ثم سقوط فرانكو في إسبانبا، وبعدها كل تلك التغييرات التي حدثت في عدد من دول أمريكا اللاتينية. وامتدت ألسنتها ضدّ الشاه في إيران، وصولاً إلى تونس 17 ديسمبر- 14 جانفي 2011. 


علماء السياسة الذين درسوا تاريخ الثورات، ومسارات الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية في بلدان مختلفة، وفي أزمنة مختلفة، توصّلوا إلى استنتاجات قابلة للتعميم، بحيث أصبحت قواعد عامة لا بدّ من الاستناد إليها لكي نفهم هذا الاستعصاء الذي تختنق به تونس اليوم.


ماذا يقول علماء السياسة في هذا الصدد؟ (وتونس ما بعد 2010 نموذج).

يقولون بأن المفتاح الاستراتيجي لنجاح عملية الانتقال من الدكتاتورية الى الديمقراطية، هو أولا وقبل كل شيء مدى قدرة النخب السياسية القديمة والجديدة على التفاهم، ورفضها الخضوع لجماعات المصالح. والتخلي عن ذهنية الانتقام والانقلاب، واستعدادها لتسوية تاريخية أساسها عدالة انتقالية نزيهة قائمة على الاعتراف والاعتذار وجبر الخواطر وطيّ صفحة الماضي. 


ويقولون بعد ذلك تأتي بقيّة العوامل البنيوية التي تشكّل بتظافرها شروط الانتقال الديمقراطي: 

 • تحرّر مؤسسة القضاء واستقلالها التامّ.

 • الإجماع على الدولة، وإيمان النّخب بحق الشعب المطلق في أن يُشرّع للأمور العامة بأغلبية أصوات نوابه. وبأنّ الدستور وُضِع لكي يجعل حدود السلطات، ويضمن الحقوق والحريات .

 • غلق المنافذ أمام التدخل الخارجي. 

 • توفرّ حد معقول من الاستقرار الاقتصادي.

 • توفّر حدّ معقول من الاستجابة لمطالب الناس الأكثر تضرُّرًا من الفقر. 

 • طبيعة القطاع الخاص غير الإجرامية ودرجة التزامه بالعمل ضمن القانون.

 •  درجة تطور المجتمع المدني والمنظمات الجماهيرية.

 • درجة انخراط النخبة الإدارية العليا في عملية الانتقال الى الديمقراطية. 

 • المساواة ودرجة انخراط النساء في الشأن العام.

 • مستوى التمدرس.

 • حجم الطبقة الوسطى.

 • غياب طموح الحكم لدى المؤسسة العسكرية. 


وأنت تقرأ وتُقارن. وتتثبّت في هذه القواعد، تستنتج بكلّ سهولة أنّ تونس (كما كان الشهيد شكري بلعيد واثِقًا) هي البلد العربي المؤهّل موضوعيًّا ومن جميع النّواحي، لقيادة نهضة العرب. ولكن للأسف الشرط الاستراتيجي المتعلّق بنخبتها السياسية ليس فقط دون المستوى، بل في أسوأ حال. حتى أننا لا نكاد نعثر على أكثر من عدد أصابع اليد من سياسيين يفهمون شروط نجاح تونس وخروجها من الهاوية. التطرّف وصحّة الرّأس وقلّة المعروف والغرور والأنانية هي القيم الغالبة. 

الحزب الأغلبي حزب أُصوليّ، يدّعي الديمقراطية، وهو في أعماقه متمسّك بالحاكمية، لا يؤمن بالدولة الحديثة أصلا، وهو يسعى منذ عشرة سنوات إلى إنهاكها وتخريبها بذريعة إضعاف الدولة العميقة. 

وفي المقابل هنالك حزب أُصولي آخر، يعتبر الثورة مؤامرة، وكل من شارك فيها "عميل ومجرم ويمثل ذراعا من أذرعة الإخوان"، وبهذا المعنى لا يوجد على وجه الأرض حزب آخر قاوم الإسلام السياسي إلّا هذا الحزب. وهذا يعني لا يوجد أمل في التفاهم مع هؤلاء الناس على مستقبل البلد. وهنا تكمن المأساة. وأنتم تلاحظون، يوميًّا هذا القرف، وهذا الصُّراخ، وهذا الاستغفال العمومي للشعب. الكلّ يقدّم نفسه بطلا وطنيًّا. والكلّ يُندّدُ بالعملاء. والكُلّ يصرخُ مُذكّرًا أنّ أباه قاوم الاستعمار، على أساس نحن آباءنا قدموا من السينيغال بعد اعتصام الرّحيل. 

هنالك حقيقة يجب التّذكير بها. وهي أنّ الخوانجية منتوج سياسات لا وطنية سبقتهم. ونحن أُناس عندنا ذاكرة، ونعرف ماذا نقول. وهؤلاء وأولائك مختلفان صحيح. ولكن في علاقة بالوطنية، يشبهان حكاية الرّجلين اللّذيْن دفنا حماراً وجعَلا من مدفنِه مَزارًا تلوذُ ببركاته العامّةُ والدّهماء ويُقسم برأسه المُغفّلون الحائرون فيما إذا كانت الشيطانة زوجة الشيطان كافرة أم مسلمة. إلى أن  اختلف الرّجُلان ذات يوم. فشرع أحدهما يحلفُ ويتكتّف بالضريح. فقال له صاحبه: "لقد دفنّاهُ سويّة".

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

إتصل بنا

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *