جاري تحميل ... شمس اليوم نيوز24/24

أخر الأخبار

شريط الأخبار

ثقافة وفن

ذات القلب الذهبي.. جاذبية صدقي رائدة الأدب التربوي الرشيق

 "أنا رحالة.. سائحة.. أدبُّ على خريطة الدنيا، وقلمي على كتفي ودفتري تحت إبطي"، رائدة الأدب التربوي المعاصر، "أدبها يدل عليها دون عنوان أو توقيع، ويتجلى نورها من أول سطر في ما تكتب" كما قال عنها الأديب الراحل طه حسين.


من القليلين الذين تستمتع، وترتوي، وتضحك، وتبكي، وتقف على قدميك، وتلوح بيديك، وتسخن دماؤك، ويتوقد عقلك، وأنت تقرأ لهم، وتتناغم كل الأدوات والمهارات الموسيقية في سردها ووصفها وكلماتها، فهي تستدعي كل آلات النقر والنفخ والعزف و"الشخللة" والوتريات، مما يشعرك بالغنى التاريخي، والإرث الحضاري المحفود بالمجد، والمحشود باللغة الراقية الرقراقة المتأنقة، ويتقافز المرح الذكي، والطرافة اللماحة، من ثنايا عباراتها، وحنايا معانيها.

بكل عفوية وتلقائية تجد نفسك قد وقعت أسيرا في حوزة أديبة ذات أصالة وحميمية نادرة، ألقت إليك بهداياها البراقة كبلورات الكريستال وتركتك تتأمل الصفاء والجمال الذي لا يقاوم.

وحقيقة فإن مصر -كما قال الأستاذ عباس العقاد- ممتلئة بالنساء والمثقفات المتألقات عن جدارة، في الحرم الجامعي، وفي المجتمع، وفي الصحافة، وفي كل الميادين. أما في "الأدب" فليس هناك أديبة فنانة حقا، بالمعنى الذي أفهمه للأدب… سوى جاذبية صدقي (1921-2001).

ولدت حفيدة الباشا وبنت الباشا نفيسة جاذبية بنت محمود عبد الحميد صدقي (جاذبية صدقي) في 3 يناير/كانون الثاني 1921 بقصر العائلة بلاظوغلي وسط القاهرة، والدها وزير الأشغال محمود باشا صدقي، وجدها لأمها عبد الحميد باشا صادق، رئيس مجلس النواب، وتنتمي من جهة الأم إلى الأسرة العلوية التي حكمت مصر والسودان قرابة 150 عاما (فرع إبراهيم باشا)، كما تنتمي بجذورها من جهة الآباء والأجداد إلى الإمام الليث بن سعد رضي الله عنه (توفي 175هـ/791م)، فقيه مصر الأشهر.

مسيرة أدبية

تلقّت جاذبية صدقي تربية راقية، شأن أولاد "الباشاوات" في ذلك العصر، وأجادت في بيتها العربية والإنجليزية والفرنسية إجادة رفيعة المستوى، وألمّت بالإيطالية والألمانية.

تخرجت في مدرسة رمسيس للبنات (كلية رمسيس) عام 1936، ثم التحقت بالجامعة الأميركية وتخرجت في كلية الآداب قسم المسرح عام 1941. وحصلت على "دبلوم" في الأدب الإنجليزي عام 1943، والماجستير في الأدب المسرحي من الجامعة الأميركية عام 1945.

ودرست الموسيقى والرسم دراسة متخصصة كما درست الفلك والطبيعة والأحياء وفلسفة الأديان، وكانت على قدم راسخة من الثقافة الرفيعة. وأشرقت مواهبها الأدبية الفنية في بدايات عقدها الثاني، وفور تخرجها بدأت قصصها ومقالاتها تحتل جريدة "المصري".نشرت قصصها في مجلات الرسالة، والهلال، وروز اليوسف، إذ التحقت بالعمل بها صحفية وكاتبة بدءا من عام 1954، وكانت في أخريات أيام حياتها من أشهر كتاب جريدة الأخبار، وأخبار اليوم.

أصبح اسمها يزاحم أسماء إحسان عبد القدوس، ويوسف السباعي، وأنيس منصور، ونجيب محفوظ إلى الحد الذي جعل العقاد يصفها بأنها "القلم النسائي الذي يفهم الأدب كما ينبغي أن يُفهم، ويكتبه كما ينبغي أن يُكتب".

كتب عنها محمود تيمور (قريب الأسرة) والعقاد وأنيس منصور، ويحيى حقي، وطه حسين، وعباس خضر، وفتحي رضوان، وغيرهم، وتناولت أدبها بالدراسة رسائل ماجستير ودكتوراه عدة.

لها نحو 60 عملا بين القصة والرواية والدراسات المسرحية والمسرحيات والترجمات، وتحولت بعض رواياتها إلى أفلام سينمائية ومسلسلات تلفزيونية مثل رواية "صابرين"، والمجموعة القصصية "مملكة الله"، و"بوابة المتولي"، وكان آخر أعمالها "بلاد اليابان الشمس المشرقة، وأشجار الكرز". وتحولت روايتها الطويلة التي كتبتها باللغة الإنجليزية "أمنا الأرض" (Mother Earth) إلى مسلسل إذاعي شهير عام 1972 بإذاعة الشرق الأوسط. وترجمت أعمالا أجنبية لأدباء عالميين مثل "قلبي كبير" لأدنا فرير، و"الشارة القرمزية" لنتانيال هورلورن، و"أمي.. أحبك" لوليام سارويان.

وكانت جاذبية صدقي أفضل من وظّف نهر النيل في الأدب المعاصر، واستطاعت أن توظّف مفرداته -عبر الحكي- لترسيخ مجموعة من القيم الأخلاقية والدينية، والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والوجدانية، بطريقة رائعة، صراحة أحيانا أو ضمنيا أحيانا أخرى.

وقد قُرّر لها وحدها "6 قصص" على المراحل الابتدائية (ربيب الطيور، وبين الأدغال، وفتى من الصعيد، والقلب الذهبي، وابن النيل، وعش العصافير) لفترات زمنية يبلغ مجموعها أكثر من 20 عاما دراسيا.

نالت جاذبية صدقي جائزة المجمع اللغوي عن مجموعتها القصصية الأولى "مملكة الله" عام 1954، كما حازت جائزة "الرواد" في عيد الإعلاميين عام 1986، وعام 1987 من اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري.

أدب "القرب من الله"

كانت جاذبية صدقي في عالم القصة تمتح من ماء الإسلام في كل ما أبدعت.. ولا سيما في عالم الأدب التربوي الذي وصلت إلى قمته عن جدارة واقتدار.

وقد أعربت بلسان عربي مبين عن هويتها الإبداعية فقالت في إهدائها لمجموعتها "على باب الله": "إليه.. ذلك العفريت الذي يقيم في غيابات مجاهل أعماقي.. عفريت يصيح بحيوية.. وحياة.. ومرح.. ويحب الابتسامة.. والضحكة.. والنكتة.. والطعمية.. والبلح الأبريمي. شقاوته.. ساعات.. تسيل غصبا عني، عبر سن قلمي.. أو كالبرق تومض فجأة في عيني، أو تندلع شررا في إيماءات وإيحاءات معفرتة إلى تفكيري..".

"لكنه.. والشهادة لله، عفريت مؤمن، مسلم موحّد بالله، يصوم ويصلي، ويقوم الليل إلا قليله، ويحرص حرصا شديدا على صلاة الفجر، والصلاة الوسطى.. ولقد حج معي 4 مرات.. وأدّى العمرة معي مرات ومرات.. ودينه.. وعبادته.. ومحور سعادته: الصبر على خلق الله، وخدمة خلق الله مخلصا، وبجميع مشاعره الدافقة.. تقربا وتبتّلا للعلي العظيم.. سريرته صاخبة.. وروحه صافية.. وقلبه صاف.. ومع ذلك كله.. عفريت.. ابن عفريت".

ذلكم.. كانت جاذبية صدقي في كل ما كتبت وأبدعت.. لم تخرج عن مألوف ومعروف الناس قط.. ولم تجنح في رؤاها العامة والخاصة عن الإطار العام للإسلام.. بل إنها كانت تعلن.. وبإيضاح ساطع في "على باب الله" قائلة "لا بد للإنسان.. كل إنسان.. من قدسية في هذه الحياة.. قدسية تلوذ بها روحه حين تعتصرها مادية دنيانا.. قدسية ترفّ حولها روحه كالفراشة، تستروح من أنسامها، وتستجلب لنفسها بردا وسلاما وأمنا"، وتواصل أن "السياق الملتاث الذي يشترك فيه العالم، كل العالم، كله واحد، والهدف واحد، الذهب والسلطان.. هو السبب أن فتحت الدنيا فاها كالهاوية لضياع ذلك العالم.. ولفنائه السبب في سيادة الحس.. وانكماش الروح لكني أنا لا يمكنني بحال أن أتصور حياة كلها هكذا حس.. لا مكان فيها لقدسية روحانية، وأعظم قدسية روحانية هي الدين.. الدين بكل ما يمت إليه بصلة من قريب أو بعيد".

لم تخرج جاذبية صدقي أو تشذّ عن روح الإسلام ومقاصد شريعته قط في كل ما كتبت أو أبدت أو بدت.. في كل قضايا المرأة.. في العلاقات الاجتماعية.. في الفلسفة.. في الاجتماع.. في الاقتصاد.. في السياسة.. في رؤيتها للصهاينة.. فقط كانت تطعّم وتلغّم سردها بعمق وبخفة ظل متناهية وبلباقة ولياقة، قلّ أن تتمتع بها أديبة في عصرها.

وبلغ الأمر أن كثيرا من النساء كنّ يلمنها على أنها تنتصر لقضايا الرجل على حسابهن، ولكنها تقول إن هذه الرؤية "عن عقل، وعن معنى وعن تعقّل، وبعد تروّ وتأمل ودراسة وخبرة، وتجربة شخصية".

وماذا يكون المبدع المسلم أو الذات المبدعة أدبا إسلاميا، إذا لم تكن هي تلك الذات التي تحدثت عنها (جاذبية) حين تشتعل جوانحها بحرارة الإبداع وتلذعها وقدة الابتكار.

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

إتصل بنا

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *