جاري تحميل ... شمس اليوم نيوز24/24

أخر الأخبار

تابعونا عبر تويتر

أخر الأخبار

ثقافة وفن

مرزق : روح الحضارة وعبق التاريخ

 شمس اليوم نيوز:



عندما نتحدث عن مرزق ، فنحن عن الجمال والعراقة والنقاء والطيبة والأصالة ، سواء في المدينة أو في أهاليها ممن يحملون على عواتقهم ذاكرة التاريخ متحدين قسوة الجغرافيا، فإذا بهم يشكلون من الصحراء ديوان محبّة مكتوب بحروف من الذكاء الفطري والثراء الروحي .

تقع مرزق في أقصى جنوب ليبيا ، وتحمل في اسمها رمزية الرزق ،حيث كانت على الدوام مركزا تجاريا مهما بين الصحراء الكبرى وساحل المتوسط ، ومصدرا مهما للرزق بالنسبة لمن ينزل بها مقيما أو تاجرا عابرا ، كما كانت محط القوافل بين وسط إفريقيا وشمالها ، ويذكر عبد القادر جامي في كتابه الشهير « من طرابلس الغرب الى الصحراء الكبرى »  أن اسم مرزق مأخوذ من مرزوق المرتبطة بالاسترزاق، حيث كانت تعج بالتجار من شمال أفريقيا ومن مصر والسودان، من برنو وبلاد الهوس ، ومن مختلف الأعراق من عرب وطوارق وتبو وزنوج. 

وتزخر مرزق بشواهد من التاريخ تؤكد أنها كانت مستوطنة بشرية منذ آلاف السنين ، ومرت بها هجرات متعددة ، الا أن تأسيسها وتشكيل ملامحها الحقيقية التي نراها اليوم ، كان على أيدي أولاد محمد الفاسي في نهاية القرن الخامس عشر حيث أصبحت العاصمة السياسية لدولتهم في عهد المنتصر بن محمد الفاسي في سنة 1577 م ، والذي يعود إليه الفضل في بناء قصبة مرزق ( القلعة ) الحصينة التي اتخذها مقرا للإدارة والسكن .

وتنتسب دولة أولاد محمد إلى سيدي امحمد الفاسي الذي ينتمى إلى السلالة الإدريسية الشريفة ، وبالتحديد إلى البيت العمراني الجوطي ، الذي قال عنه ابن خلدون منطلق الثناء على أبناء القاسم بن ادريس الأزهر ومنتهيا ببيت بني عمران الجوطي بقوله ( فليس في المغرب فيما نعلمه من أهل هذا البيت الكريم من يبلغ في صراحة نسبه ووضوحه مبالغ أعقاب إدريس هذا من آل الحسن  وكبراؤهم لهذا العهد بنو عمران بفاس من ولد يحيى الحوطي بن محمد يحيى العدام بن القاسم بن إدريس الأزهر بن إدريس الأكبر ، وهم نقباء أهل البيت هناك والساكنون ببيت جدهم إدريس ولهم السيادة على أهل المغرب كافة حسبما نذكرهم عند ذكر الأدارسة ) .

وقد استمر حكم دولة أولاد محمد لإقليم فزان انطلاقا من العاصمة مرزق لمدة 236 عاما ، وشهدت مواجهات عدة مع الدولة العثمانية من ولايتها في طرابلس ، الى أن كان عهد يوسف باشا القره مانلي الذي أراد السيطرة على فزان بكل ما أمكنه طمعا في ذهبها وتبرها و أسواقها فجمع كل ما لديه من جيوش جرارة للاستيلاء نهائيا على هذه الدولة التي أزعجتهم وامتنعت عليهم مدة ثلاثة قرون و قائد هذه الجيوش محمد المكني  الذي دخل مرزق فاتحا فتغلب على السلطان محمد المنتصر وقتله سنة 1813 م ونصب نفسه حاكما ،وقضى على سلالة أولاد محمد بالقتل أو السجن حتى الموت ، ولم ينج منهم إلا من فرّ هاربا الى بلاد أخرى ، و وبذلك انتهى حكم الشرفاء أولاد امحمد لهذه المنطقة و أصبحت من مستعمرات الدولة العثمانية.

ورغم التهميش الذي واجهته مرزق لاحقا ، إلا أنها كانت دائما رمزا للتعايش السلمي بين مكوناتها ، وللثراء الحضاري والثقافي ، وللقدرة على التواصل والحوار مع الجميع ، فتاريخها كان على الدوام تاريخ تفاعل إيجابي مع بقية الثقافات والحضارات ، ما أغنى عاداتها وتقاليدها وفنونها وعمرانها .

وتتميز مرزق ، التي تعتمد اقتصاديا على الزراعة وتشتهر بالتمور والأعمال اليدوية من النخيل، ويبلغ عدد سكانها حوالي 12 ألف نسمة، بعبق الأصالة والسمو النفسي والروحي ، ما يجعل زائرها يشعر بأنه واحد من أبنائها ، فلا يغادرها إلا بما حكمت به الظروف ، ومن يعيش فيها من الغرباء ، يغمرها الإحساس بأنه إمتزج بعاطفة الانتماء مع سكانها الأصليين ، فصار منهم .

ولا يخفي عن أحد أن مرزق كانت تسمى بباريس الصحراء ، نظرا لتميزها بالانفتاح وروح الحضارة ، وبالتطور الفني ورفعة الذوق وعنفوان الثقافة التي تتبين بالخصوص في روح التسامح والمحبة التي تميزها ، الى جانب النهضة التي يصنعها المرزقاويون بأنفسهم في تطلع دائم الى مستقبل أفضل .

وتتميز مرزق بالفن المرسكاوي ، وهو مزيج رائع بين الإيقاعات والنغمات الإفريقية والأندلسية والأمازيغية والعربية ، تحول الى شكل موسيقى وغنائي شعبي متطور يتردد على ألسنة الليبيين جميعا وسكان الدول المجاورة ،وتؤدى أغاني المرسكاوي عبر لحن محلي على مقام متعارف عليه، ويتشكل من عنصرين غير عضويين يدخلان في تركيبته أولهما ما يشبه الموال العربي في المقدمة مصحوبا بموسيقى الديوان ، وهو السلم الذي يبنى عليه المتن الأساسي ، وفيه يتم التهيئة للمغني للدخول في الاغنية، وثانيهما ما يطلق عليه شعبيا "التبرويلة" وهي حركة سريعة عند نهاية الاغنية تكون في الديوان الأصلي للأغنية وكلماتها أو في ديوان مغاير، لكن لها ايقاع رقصي يوصل الي التسليم النهائي للأغنية.

وتعتبر أعراس مرزق مهرجانا فنيا وثقافيا متكاملا ، بمظاهره الاحتفالية وتقاليده المتفردة ، وبعناصر الزينة والجمال التي تحيطه . إضافة الى أطباق الطعام المتميزة وأشهرها « الفتات » ومنها فتات البكيوة واللوبيا ، وهي عبارة عن فطير مسقى أو مغطى بالطبيخ أو المرق واللحم والحمص.

إن الحديث  عن مرزق ، بحر لا ضفاف له ، وهو يحتاج الى كتب وليس الى مجرد مقال محدود الكلمات ، نظرا لأننا أمام مدينة حضارية ذات عمق تاريخي وأهمية جغرافية وإستراتيجية مهمة ، وذات خصوصيات ثقافية وحضارية وإنسانية عريقة وخالدة وراقية رقي المرزقاويين ، فالسلام على مرزق وأهلها.


فوزية الهوني 

الوسوم:

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

إتصل بنا

اتصل بنا

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *